

“قراصنة المضيق”… عصر حروب الممرات المائية والتحكم بالاقتصاد العالمي

اعداد:أ.د نادين الكحيل (كاتبة وباحثة سياسية)
شهدت الحروب على مر العصور العديد من التحولات والاجيال، حيث واكبت التطورات المختلفة على صعيد الاستراتيجيات والاسلحة والتقنيات الحديثة بغض النظر عن الاهداف، وشملت كافة الاماكن سواء بالبر، البحر، الجو، ومؤخراً الفضاء الرقمي. ولكن بقيت البحار والممرات المائية عقدة جغرافية، حيث اتخذت الصراعات والنزاعات والتهديدات في المضائق صفة دولية، لكونها تتعلق بالامن الدولي، وتهدد الملاحة والاقتصاد العالمي. في هذا السياق، برز اليوم مفهوم “قراصنة المضيق” كعنوان لمرحلة جديدة من الصراع الاقليمي والدولي، حيث تتداخل القرصنة التقليدية مع الاستراتيجيات العسكرية والسياسية والاقتصادية للدول.
المضائق… شرايين الاقتصاد العالمي
تشكل المضائق البحرية والممرات المائية شرايين رئيسية للاقتصاد العالمي مثل (مضيق هرمز، مضيق باب المندب، قناة السويس، قناة ملقا، الدردنيل والبوسفور) وتعتبر نقاط عبور حيوية للتجارة العالمية، حيث تمر نسبة كبيرة من النفط والغاز والبضائع عبرها، وأي تهديد لهذه الممرات (احتجاز ناقلة، استهداف سفينة، الغام بحرية…) لا ينعكس فقط على الدول المطلة عليها، بل ينعكس تأثيره إلى الأسواق العالمية، فيمتد ليشمل أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، مما يؤكد هشاشة النظام التجاري الدولي أمام “حروب الممرات”.
من القرصنة التقليدية إلى “القرصنة الجيوسياسية”
تاريخياً، ارتبط مفهوم “القرصنة البحرية” بأعمال السلب والنهب التي تقوم بها جماعات غير حكومية في أعالي البحار، وبالانشطة المرتبطة بالسطو البحري في الممرات المائية الحيوية، ووفق المكتب البحري الدولي يتم تسجيل عشرات الهجمات سنويا في هذه المضائق لنهب الشحنات او احتجاز الطواقم مقابل فدية.
لقد أطلق التجار الاوروبيون قديما اسم ساحل القراصنة (مضيق هرمز) على المنطقة الممتدة من البحرين الى شبه جزيرة مسندم (حاليا الامارات وعمان) بسبب الهجمات المتكررة على السفن التجارية المحملة بالتوابل والحرير المتجهة الى اوروبا. لكن في القرن الحادي والعشرين، تطور المفهوم ليشمل ما يمكن تسميته “قراصنة المضائق”، وهم فاعلون (دول أو وكلاء أو جماعات مسلحة) يستخدمون الممرات المائية الضيقة كأداة ضغط جيوسياسي.
لم يعد القراصنة مجرد مجموعات خارجة عن القانون كما في سواحل القرن الإفريقي، بل باتوا في كثير من الأحيان أدوات ضمن صراعات أكبر. ففي بعض الحالات، تُستخدم جماعات مسلحة أو وكلاء إقليميون للضغط على خصوم، عبر استهداف السفن أو تهديد الملاحة(مثال: الحوثيين في باب المندب).
هذا التحول يعكس انتقال القرصنة من فعل إجرامي إلى أداة ضغط سياسي للتحكم في شرايين الاقتصاد العالمي، حيث تختلط الاوراق، ويصبح من الصعب التمييز بين العمل العسكري الرسمي والعمليات غير النظامية. هنا، يتحول “القراصنة” إلى جزء من لعبة توازنات إقليمية، وتصبح المضائق نقاط ابتزاز استراتيجية خصوصاً في مناطق التوتر مثل الخليج والبحرالأحمر ومضيق هرمز.
نحو عسكرة الممرات المائية
تشكل الممرات المائية سلاح استراتيجي يهدد الأمن الإقليمي والعالمي، مع تنامي الطلب العالمي على الطاقة وتوسّع التجارة الدولية، وبروز التنافس الصيني الامريكي على النفوذ في مضيق ملقا وبحر الصين، والتوتر في الخليج وتهديدات ايران بإغلاق مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن العابرة، في مقابل تهديد اميركي بفرض حصار بحري على ايران.
ففي ظل تصاعد المخاطر، تتجه القوى الدولية والاقليمية إلى البحث عن ممرات بديلة، أو تعزيز وجودها العسكري في هذه الممرات، عبر دوريات بحرية وتحالفات أمنية كما يحدث اليوم مع الدول الاوروبية لضمان حماية حرية الملاحة الدولية، لكن هذا التواجد قد يؤدي الى احتمال الاحتكاك، مما يرفع خطر التصعيد غير المقصود.
الإطار القانوني …قانون البحار والقرصنة
تعتبر جميع الممرات المائية أو المضائق، في الاستراتيجية العسكرية، “Choke Points” نقطة اختناق بفعل الجغرافيا، وبالتالي فهي تمثّل نقطة تفوّق بالنسبة للطرف الذي يمتلك السيطرة عليها. وغالباً ما تقع هذه النقاط في دائرة التوتر والصراع؛ لذلك فإنّ جميع الممرات المائية محمية بموجب مواد القانون الدولي.
تعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار المرجعية الأساسية لتنظيم الامن البحري واستخدام البحار والممرات الدولية، لقد أكد القانون الدولي على (حق المرور العابر وحرية الملاحة للسفن في المضائق)، فبموجب اتفاقية قانون البحار تنص المادة 44 على واجبات الدول المشاطئة للمضيق ان:(لا تعيق الدول المشاطئة للمضائق المرور العابر، وتقوم بالاعلان المناسب عن اي خطر يكون لها علم به بهذه الملاحة او التحليق داخل المضيق او فوقه، ولا يوقف المرور العابر).
وفي ظل تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز نظرا للحرب بين اميركا وايران وتداعياتها على حركة التجارة الدولية، أكد الامين العام للمنظمة البحرية الدولية “أرسينيو دومينغيز” في 13/4/2026 على أن القانون الدولي لا يسمح لأي دولة بمنع حرية الملاحة أو إغلاق المضائق الدولية أمام حركة النقل البحري، وصرح:” لا يحق لاي دولة منع حق المرور البري او حرية الملاحة عبر المضائق الدولية”.
الإشكالية القانونية … بين السيادة وحرية الملاحة
تكمن الأزمة الحقيقية في تضارب مبدأين:
- مبدأ سيادة الدولة: أي حق الدولة في حماية مياهها الاقليمية.
- مبدأ حرية الملاحة: أي حق المجتمع الدولي في المرور.
ففي حالة مضيق هرمز، ايران تعتبره جزءاً من أمنها القومي، بينما يراه المجتمع الدولي ممراً دولياً مفتوحاً، وبالتالي أي محاولة لإغلاقه في ظل الحرب القائمة سواء من جهة ايران او اميركا تُعد انتهاكاً لقانون البحار وتهديداً للسلم الدولي وتحكم بالاقتصاد العالمي.
“قرصنة الدولة” – مفهوم جديد
أحد أهم تطورات الصراعات اليوم هو ظهور ما يمكن تسميته “قرصنة الدولة”، حيث تستخدم الدول أدوات غير تقليدية لتعطيل الملاحة، مثل: (احتجاز سفن بحجج قانونية ، فرض قيود أمنية، التلويح بالإغلاق دون تنفيذه )هذا النمط من فرض قيود على الملاحة في هذه الممرات الحيوية تُعد مخالفة صريحة للأعراف الدولية.
عالم على حافة الاختناق
يتضح مما تقدم، ان “قراصنة المضيق” ليسوا مجرد ظاهرة أمنية فقط، بل هم انعكاس عن تحوّل عميق في طبيعة الصراعات الاقليمية والدولية، ففي عصر يعتمد فيه العالم على تدفق الطاقة والبضائع عبر هذه الممرات المائية والتي تعتبر شرايين حيوية لامدادات الطاقة والاقتصاد العالمي، تصبح السيطرة على الممرات المائية سلاحاً يفوق في تأثيره أحياناً الأسلحة التقليدية، وتمتد لتشمل اعادة هندسة للنظام المالي العالمي الجديد ، حيث تتحول الجغرافيا الى سلاح، تنتهك فيه جميع القوانين البحرية.
في المحصلة، يبرز مضيق هرمز اليوم كمثال واضح على تداخل القانون بالقوة، والسيادة بالاقتصاد، والقرصنة بالسياسة. ويتبين ان الصراعات والحروب التي نشهدها اليوم وسنشهدها في المستقبل، تتركز على السيطرة على المنافذ البحرية والموارد المائية التي تشكل اهمية جيواستراتيجية وجيوسياسية وجيواقتصادية، خاصة مع تركيز مشاريع مد خطوط انابيب الغاز والنفط وكابلات الانترنت، حيث تصبح المعادلة: من يتحكم بالمضيق يسيطر على اقتصاد العالم.



