الأمن الغذائي في أفريقيا ودور مصر في الزراعة الذكية مناخياً

يمثل الأمن الغذائي أحد القضايا الجوهرية في الأجندة الإفريقية ، إذ يتقاطع مع الأمن الإنساني، والاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 280 مليون إفريقي يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهو ما يعكس هشاشة النظم الغذائية في القارة أمام التغيرات المناخية وتقلبات الأسواق الدولية.

يكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية في ظل التزايد السكاني المتسارع في أفريقيا، حيث يُتوقع أن يتضاعف عدد السكان بحلول عام 2050، ما يزيد الطلب على الغذاء بنسبة تتجاوز 60%.

وبناءً على ذلك، تتناول هذه الدراسة المحاور التالية : الواقع الغذائي الراهن في أفريقيا، والتحديات المناخية التي تؤثر عليه، ثم المبادرات الإقليمية في مجال الزراعة الذكية مناخياً، ودور مصر المحوري في هذا السياق، بما يعكس رؤية تكاملية بين الجهود الوطنية والقارية لتحقيق الأمن الغذائي المستدام في أفريقيا

أولًا: الواقع الغذائي الراهن في افريقيا

الواقع الغذائي في أفريقيا يُمكن قراءته كنتيجة لتراكم ثلاث عوامل مهمه ،أولاً، الصراعات (مثل السودان، أجزاء من شرق أفريقيا، مناطق وسط وغرب أفريقيا) التي تقطع سبل إنتاج الغذاء ونقل الإمدادات؛ ثانياً، الصدمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة التي أثّرت سلبًا على القدرة الإنتاجية والقدرة الشرائية؛ ثالثاً، التغير المناخي المتكرر (جفاف مطوّل أو فيضانات مفاجئة) الذي يضرب مواسم الزراعة ويقلّص محصوليات المزارعين المعتمدين على الأمطار. هذا كله يفسّر لماذا ساء الوضع حتى في بلدان كانت قبلها في حالة “قابلة للتعافي”.[1]

لا يمرّ تأثير الأزمة بنفس القوة في كل مناطق أفريقيا. في شرق ووسط أفريقيا تصاعدت موجات الجفاف المتكررة خلال 2023–2025 مما أدى إلى ضغوط أزمة غذائية كبيرة؛ في غرب أفريقيا تتراوح التأثيرات بين تدهور إنتاج الحبوب في بعض البلدان ومرونة نسبية في دول أخرى؛ أما شمال أفريقيا فشهدت تحسناً نسبياً في بعض الدول ذات بنى تحتية أفضل لكنها تبقى معرضة لصدمات الملوحة والاعتماد على الاستيراد؛ وجنوب أفريقيا أظهر تفاوتًا كبيرًا بين دول تمتلك منظومات زراعية متقدمة وأخرى فقيرة الموارد. [2]

ومن جهة أخرى فإن القارة تفقد نسبة كبيرة من محصولها بعد الحصاد نتيجة ضعف التخزين والبُنى اللوجستية. مصادر حديثة تُقدّر فقد الحبوب والخضروات بنسب قد تتراوح بين 10% إلى 30% بحسب القطاع والمنطقة وهو رقم ذو أبعاد اقتصادية وغذائية هائلة، لأن هذا يعني أن تحسين التخزين وحده يمكن أن يرفع الإمداد المحلي ويحسّن الأمن الغذائي دون زيادة كبيرة في المساحات المزروعة. لذلك، سياسات 2025 ركّزت بقوة على تمويل صوامع محلية، أنظمة تبريد بسيطة، وسلاسل تبريد للقضاء على هذه الخسائر [3]

أما بالنظر في التغذية وصحة الطفل والجوع في أفريقيا اعتبارًا من يوليو 2025، يعاني أكثر من 307 ملايين أفريقي – أي أكثر من 20% من سكان القارة – من الجوع. ويبلغ متوسط ​​معدل التقزم لدى الأطفال 30.7% في جميع أنحاء أفريقيا، بينما يبلغ معدل الهزال (نقص الوزن مقارنةً بعمر الطفل) 6%.

في بعض البلدان، يعاني طفل من كل ثلاثة أطفال من سوء التغذية. وتسجل الصومال أعلى المعدلات، لكن تشاد وزامبيا وأوغندا وكينيا وغينيا بيساو تتجاوز أيضًا نسبة 30% من سوء التغذية

تفاقم انعدام الأمن الغذائي في افريقيا لا يبقى على مستوى الغذاء فقط: هو يضغط على دخل الأسر، يزيد الفقر القاسي، ويُعدّ محفزًا لاضطرابات اجتماعية وهجرات داخلية وخارجية. في بعض دول المنطقة أدى النقص الغذائي وارتفاع الأسعار إلى احتجاجات ومطالبات سياسية، بينما شهدت مناطق نزاع نزوحًا مركّزًا بفعل فقدان وسائل العيش الزراعية. إدارة الأزمة إذًا تتطلب نهجًا متعدد-القطاعات يجمع بين المساعدات الطارئة، دعم الدخل، وسياسات سوق مستدامة[4]

ثانيًا : التحديات المناخية المؤثرة على الأمن الغذائي

  1. تزايد تواتر وشدة موجات الجفاف

منذ أواخر 2023 وامتدادًا إلى 2025 شهدت أجزاء واسعة من أفريقيا – خصوصًا شرق وقطاعات من جنوب ووسط و غرب أفريقيا  موجات جفاف أطول وأكثر حدة مقارنة بالمتوسّط التاريخي. كما يوجد انحرافات ملحوظة في هطول الأمطار (نقص كبير في مناطق شرقي أفريقيا وجنوب الساحل الصحراوي)، ما أدّى إلى تقلّص المساحات المزروعة وندرة الأعشاب في المراعي. النتيجة العملية كانت انخفاض محصول المحاصيل المعتمدة على الأمطار وزيادة الحاجة إلى إمدادات طارئة.[5]

 الخريطة التالية  تُبيّن الحالة الراهنة للجفاف في 2024–2025، مع تمييز بين درجات الجفاف (خفيف، متوسط، شديد). المناطق التي تقع تحت الجفاف الشديد غالبًا ما تكون في شرق أفريقيا (مثل الصومال وكينيا) وبعض أجزاء من وسط وغرب القارة. وهو ما يؤكد أن بعض المناطق تواجه جفافًا شديدًا متكررًا مما يُلغي فترات التعافي بين المواسم. بالإضافة إلى أن الجفاف ليس موسميًا فقط بل أصبح حالة شبه دائمة في بعض البقاع، ما يُحمّل المزارعين عبء التكيف المستمر وتحمل المخاطر الزراعية.

2- ارتفاع درجات الحرارة وإجهاد المحاصيل والحيوانات

أن فترات الحرارة الشديدة أصبحت أكثر تواترًا وفيها ذروة أطول زمنياً، وهو ما يقلّل من فترة نموّ المحاصيل الحساسة ويؤثر على خصوبة التربة ونوعية البذور. هذه الزيادات في الحرارة تؤثر أيضًا على الثروة الحيوانية (انخفاض الخصوبة، نقص العلف) وتزيد من ضغط الأمراض المرتبطة بالحرارة والآفات[6]

3-تملّح التربة وارتفاع ملوحة مصادر الري

أن دلتا الأنهار والسواحل – بما فيها أجزاء من شمال أفريقيا والدلتا النهرية في دولٍ عدة – تواجه زيادة في ملوحة التربة والمياه نتيجة لارتفاع مستوى سطح البحر وتسرب ملوحة بحرية إلى الخزانات الجوفية والأنظمة السطحية. هذا يضع قيودًا قوية على المحاصيل التقليدية دون استثمارات في تحلية/مزج المياه أو في تحسين تحمل الملوحة للبذور[7]

4- تقلبات الأمطار: من فيضانات مفاجئة إلى هطولات غير منتظمة

التقلب المناخي لا يظهر فقط بجفاف، بل بفيضانات شديدة متقطعة في مناطق أخرى — أمطار عنيفة تدمر المحاصيل وتغرق البنى التحتية الزراعية (طرق، مخازن) مما يعرقل وصول الإنتاج إلى الأسواق. في 2024–2025 سجّلت مناطق من غرب ووسط أفريقيا هطولات عنيفة تسبّبت بخسائر كبيرة في المحاصيل وموجات نزوح محلية. هذا التضاد (جفاف هنا، فيضان هناك) يزيد تعقيد استجابات السياسات ويستدعي بنى مرنة قابلة للتعامل مع كلا النوعين من الصدمات [8]

ثالثًا : المبادرات الإقليمية في مجال الزراعة الذكية مناخياً

تكرار موجات الجفاف والفيضانات، ارتفاع حرارة المواسم، وضغط الموارد المائية وضحت أن الحلول التقليدية غير كافية، وجعلت من الزراعة الذكية مناخياً  إطاراً تنفيذياً عملياً يجمع بين ثلاث وظائف : زيادة الإنتاجية، تعزيز التكيّف، وتقليل الانبعاثات حيثما أمكن لذا تحولت المبادرات من مشاريع تجريبية متناثرة إلى برامج قارية/قومية مُمَوَّلة ومصممة للقياس والتوسّع.

برامج قارية رائدة وتمويل مُجمّع: AAAP كمثال عملي

برنامج تسريع التكيف في أفريقيا (AAAP)، الذي أطلقه البنك الإفريقي للتنمية بالتعاون مع المركز العالمي للتكيف (GCA)، يُعدّ أبرز مبادرة قارية حتى عام 2025 في مجال الزراعة الذكية مناخيًا والأمن الغذائي.

يهدف البرنامج إلى تعبئة نحو 25 مليار دولار من الاستثمارات المخصصة للتكيف المناخي في القارة، منها ما يقارب 10 مليارات دولار موجهة مباشرة لتعزيز الاستثمارات الزراعية الذكية مناخيًا ، التي تستفيد منها ملايين المزارعين عبر مشاريع تحسين الإنتاجية، وإدارة المياه، والحد من الانبعاثات الزراعية.

ما يميز البرنامج أنه لا يقتصر على التمويل فحسب، بل يعتمد على آليات تمويل مبتكرة (مثل التمويل الممزوج)، ويقدّم حزمًا تقنية وبرامج بناء قدرات وطنية لمساعدة الحكومات على قياس الأثر المناخي ورفع الجاهزية المؤسسية لتنفيذ مشروعات التكيف.

وقد مثّلت الفترة 2024–2025 مرحلة انتقالية للبرنامج، إذ انتقل من مرحلة المشاريع التجريبية والمنصات التخطيطية إلى مرحلة القروض والاستثمارات القابلة للتوسع على نطاق واسع في دول أفريقية عدة.[9]

https://gca.org/wp-content/uploads/2024/08/2024-AAAP-Brochure.pdf?utm_source

تُظهر الخريطة توسّعًا جغرافيًا لبرنامج AAAP خلال فترة قصيرة (منذ إطلاقه 2021 حتى منتصف 2024).وهذا يدل على أن الزراعة الذكية مناخيًا أصبحت أولوية قارية وليست حكرًا على دول محددة، مع انتشار التمويل والدعم الفني عبر أقاليم القارة الخمسة.

كما تُبرز الخريطة أن البرنامج يعمل عبر نهج شبكي وليس مشاريع منعزلة: أي يربط الحكومات، المانحين، القطاع الخاص، والبنوك المحلية.

FAO وابتكارات الحقول

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) لعبت خلال عامي 2024 و2025 دورًا محوريًا بوصفها المنفذ التقني الرئيسي للعديد من المشروعات الإقليمية في أفريقيا، مثل مبادرة يدًا بيد، ومشروع الزراعة القادرة على الصمود أمام تغير المناخ، وبرامج دعم شبكات البذور المقاومة للجفاف والحرارة.

تركز هذه المشروعات على تحسين أساليب الري لترشيد استهلاك المياه، وحفظ التربة من التدهور، وتنويع المحاصيل الزراعية لتصبح أكثر قدرة على مواجهة التغير المناخي، إلى جانب تمكين صغار المزارعين عبر تنويع مصادر دخلهم.

وفي بعض دول الجنوب الأفريقي، مثل ناميبيا وأنغولا، تم دمج قطاع الصيد ضمن منظومة الزراعة الذكية مناخيًا من أجل تعزيز مرونة سلاسل إنتاج البروتين الغذائي. كما قامت الفاو بإعداد حزم إرشادية معيارية تساعد الدول على تكييف ممارسات الزراعة الذكية وفق ظروفها المحلية.[10]

أمثلة وطنية

 برزت عدة تجارب أفريقية تُعدّ نماذج ناجحة لتطبيق الزراعة الذكية مناخيًا على أرض الواقع، حيث انتقلت كثير من الدول من مرحلة التجارب المحدودة إلى برامج وطنية واسعة النطاق تمثل ترجمة فعلية للسياسات إلى مشروعات تنموية ملموسة:

🔹 كينيا:

نفّذت الحكومة الكينية مشروع الزراعة الذكية مناخيًا (KCSAP) بالتعاون مع البنك الدولي، وهو من أكبر المشاريع في القارة حاليًا. يهدف المشروع إلى رفع إنتاجية المزارعين مع تقليل أثر التغير المناخي عبر استخدام تقنيات حديثة مثل الري بالتنقيط، وأنظمة التنبؤ بالطقس الزراعي، والزراعة الرقمية. كما أطلقت الدولة منصات إرشاد إلكترونية لتدريب المزارعين على أفضل الممارسات الزراعية، وهو ما زاد من كفاءة إدارة الموارد الطبيعية وخفّض الخسائر الناتجة عن الجفاف.[11]

🔹 إثيوبيا:

تبنّت إثيوبيا مشروعات كبرى لاستصلاح الأراضي المتدهورة بتمويل من صندوق الاستثمار في المناخ، ضمن خطة وطنية لحماية البيئة والزراعة المستدامة. ركّزت الجهود على إعادة تشجير المناطق الجافة، وتنمية الغطاء النباتي، وحماية الغابات، مع ربط هذه المبادرات ببرامج التكيّف مع الجفاف وتحسين سبل المعيشة الريفية. وقد ساهم هذا النهج في تقليل تآكل التربة وتحسين خصوبتها، وهو ما انعكس إيجابًا على الأمن الغذائي. [12][13]

حيث تُظهر هذه النماذج الوطنية  نقطة تحول في تطبيق الزراعة الذكية مناخيًا في أفريقيا، حيث انتقلت المبادرات من المرحلة التجريبية إلى برامج شاملة وقابلة للتوسع. كما أنها أكدت على أهمية التكامل بين التمويل الدولي، والتخطيط الحكومي، والتكنولوجيا الزراعية لتحقيق الأمن الغذائي في ظل التغير المناخي.

رابعًا: دور مصر في الزراعة الذكية المناخية

تُعد مصر في 2025 أكثر التزامًا بدمج الزراعة الذكية مناخيًا في خططها التنموية، فالحكومة خصّصت استثمارات كبيرة لقطاعات الزراعة والري في موازنة السنة المالية 2025/2026. فقد أعلن وزير التخطيط أن الاستثمارات المخططة للزراعة والري تبلغ حوالي 144.8 مليار جنيه مصري، منها 17.5 مليار جنيه للاستثمارات العامة، والباقي استثمارات خاصة. الهدف هو رفع الإنتاجية، تحسين الأنظمة القائمة، التوسع في الأراضي الجديدة، وتحديث البنى التحتية. [14]

خريطة الزراعة الرقمية  كأداة مركزية

في يوليو 2025، أطلقت مصر برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) خريطة تفاعلية تُسمى Digital Agribusiness Map، وهي منصة رقمية تربط بين التحليل الجغرافي والمناخي وإمكانات الابتكار الزراعي. المنصة تقسّم مصر إلى أربع مناطق زراعية – الدلتا، الساحل الشمالي، صعيد مصر، والمناطق الصحراوية – وتُقيّم التحديات المناخية (الملوحة، الجفاف، الفيضانات، الإجهاد الحراري، ندرة المياه). كما تعرض اتجاهات المحاصيل، وقياس مدى جاهزية التقنيات الذكية في كل منطقة والشركات الناشئة المحلية  في التكنولوجيا الذكية والشمول المالي وتكامل السوق

هذه الخريطة أصبحت أداة محورية في 2025 لصناع القرار والمزارعين والمستثمرين، لأنها تتيح رؤية مخصصة لكل محافظة بناءً على خصائصها المناخية والزراعية، مما يُسهم في توجيه الموارد والتدخلات بشكل أدق.[15]

تحديث البُنى التحتية الزراعية والري

من أهم محاور دور مصر في 2025 هو تطوير أنظمة الري والبُنى التحتية الزراعية. في خطة 2025/2026، الحكومة خصّصت نحو 17.5 مليار جنيه لتمويل مشروعات الري الحديث، تحويل الترع المفتوحة إلى أنابيب محكمة، وتركيب مضخات تعمل بالطاقة الشمسية في الدلتا والمزارع. [16]

إضافة إلى ذلك، مصر دخلت مفاوضات مع البنك الدولي لتوسيع إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي وتطبيق نظام “Irrigation 2.0” الذي يجمع بين الذكاء الاصطناعي، الأقمار الصناعية، وتحلية المياه لتغطية عجز المياه الذي يُقدّر بـ 7 مليار متر مكعب سنويًا. [17]

هذه الخطوات تمثل نقطة تحول لأن الزراعة الذكية لا تقتصر على استخدام التقنيات، بل تتطلب بنية صلبة تجعل تلك التقنيات قابلة للتطبيق على أرض الواقع

دعم الابتكار والتكنولوجيا الزراعية

إلى جانب الخريطة الرقمية، تعمل مصر في على دعم مشاريع الابتكار الزراعي . تم تأسيس منصة مثل EgCITE (ابتكار زراعي مناخيّ مصري) لاحتضان الشركات الناشئة، وتشجيع التطبيقات مثل المستشعرات الأرضية، تحليل التربة عن بُعد، وتطبيقات التنبؤ المناخي.

أيضًا تُنفَّذ مشاريع تجريبية لدفيئات ذكية (باستخدام الطاقة الشمسية، نظم تحكم ذكية)، خصوصًا في المناطق التي تشهد تقلبات مناخية عالية. هذه المشاريع تعمل كـ “نماذج حيّة” تُقيِّم جدوى التكنولوجيا في الواقع المحلي .

التنوع النباتي والتحور الوراثي

تُركز مصر على تطوير أصناف مقاومة للحرارة والجفاف. بالتعاون مع مراكز بحثية دولية مثل ICARDA، أُطلقت برامج لإنتاج بذور محورة تتحمل الإجهاد الحراري، مقاومة الملوحة، وتُناسب المناطق الصحراوية والمناطق التي تتعرض لتغيرات مناخية مفاجئة.[18]

هذا التوجّه يهدف إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالمواسم المتغيرة، وضمان استمرارية الإنتاج في الظروف المناخية الصعبة.

التحديات التي تواجه مصر

رغم هذه الجهود فإن مصر تواجه تحديات متمثلة في:

التكلفة العالية: التكنولوجيا الزراعية عالية الكلفة، والمزارعون الصغار قد لا يتمكنون من شراء أنظمة ذكية بأنفسهم.

التفاوت الرقمي والبنية التحتية: بعض القرى والمناطق النائية تفتقر لتغطية إنترنت ثابتة أو بنية اتصالات قوية، مما يحد من فعالية التطبيقات الرقمية.

ضغط المياه: في مشروعات التوسع الصحراوي، الاعتماد على المياه الجوفية قد يسبب استنزافًا سريعًا، خاصة إذا لم يرافق ذلك سياسة إدارة مائية مستدامة.

تحديث البيانات والمراقبة: لضمان أن التقنيات والتوصيات تواكب الواقع ، مطلوب محطات أرصاد أكثر، مستشعرات، تطوير شبكات مراقبة بيئية، وتحليل بيانات دائم.

التكامل المؤسسي: التنسيق بين الزراعة، الري، البيئة، المالية والتكنولوجيا ضروري، وإلا قد يُنفذ كل قطاع بمفرده.

كيف تُستفيد مصر أكثر؟ توصيات لتعزيز دورها في الزراعة الذكية مناخيُا :

زيادة الاستثمار في البُنى التحتية الرقمية: تأمين تغطية إنترنت قوية في الأرياف، محطات أرصاد مناخية، مراكز بيانات محلية لتجميع البيانات المناخية والزراعية.

التوسع في الشراكات الدولية والمحلية بين القطاع الحكومي والخاص والمجتمع المدني لتعزيز الابتكار وتشجيع الشركات الناشئة

استخدام بيانات وتحليلات مكانية جغرافية لمراقبة التغيرات في التربة، إنتاجية المحاصيل، التنبؤ بالمشكلات قبل حدوثها، وتخطيط المساحات الزراعية حسب المناخ المتوقع.

-توحيد الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بالزراعة الذكية مناخيًا ضمن إطار إقليمي أفريقي مشترك، بقيادة الاتحاد الأفريقي وبدعم من الفاو والبنك الأفريقي للتنمية، لتجنّب ازدواجية الجهود وضمان تبادل المعرفة.

إدماج الزراعة الذكية في الخطط الوطنية للتنمية الاقتصادية باعتبارها قطاعًا استثماريًا منتجًا، وليس فقط بيئيًا، لربطها بمستهدفات خلق فرص العمل وتحسين الدخل الريفي

تطوير منصات رقمية موحدة تربط المزارعين بالأسواق والممولين والمراكز البحثية لتسريع نقل المعرفة والتقنيات.

ختامًا، يتضح من خلال استعراض الواقع الغذائي الراهن في أفريقيا أنّ القارة ما زالت تواجه فجوة غذائية متنامية ناتجة عن تراجع الإنتاجية الزراعية، وضعف كفاءة أنظمة التوزيع، واستمرار حالة الهشاشة الغذائية في مناطق القرن الأفريقي وغرب القارة رغم التقدم النسبي في بعض الدول التي تبنّت إصلاحات هيكلية في القطاع الزراعي.

في المقابل، تمثّل التحديات المناخية من جفاف متكرّر، وتدهور في التربة، وتصاعد درجات الحرارة، وتقلّب في مواسم الأمطار  أحد أخطر العوامل التي تُقوّض الأمن الغذائي الأفريقي. إذ باتت الظواهر المناخية الحادة مثل موجات الجفاف والفيضانات تتسبب في خسائر سنوية بمليارات الدولارات، وتؤثر مباشرة على سبل المعيشة الريفية وموارد المياه والطاقة. وتشير تقارير البنك الأفريقي للتنمية ومركز التكيف العالمي إلى أنّ ما يقرب من 43% من الأراضي الزراعية الأفريقية أصبحت مهددة بفقدان خصوبتها ما لم تُتخذ إجراءات تكيف عاجلة.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، برزت المبادرات الإقليمية في مجال الزراعة الذكية مناخيًا كخيار استراتيجي لمواجهة الأزمة، إذ تحوّلت من تجارب محدودة إلى برامج قارية ذات تمويل وهيكلة واضحة، أبرزها برنامج تسريع التكيف في أفريقيا (AAAP) الذي يسعى لتعبئة نحو 25 مليار دولار لدعم الابتكار الزراعي وبناء القدرات المناخية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تعميم مفاهيم الإدارة المستدامة للمياه والتربة، وتوظيف التكنولوجيا الرقمية في الزراعة، وتبادل الخبرات بين الدول الأفريقية من خلال منصات التعاون الإقليمي.

أما مصر، فقد برزت كإحدى الدول القيادية في تطبيق الزراعة الذكية مناخيًا على المستويين الوطني والإقليمي. إذ تبنّت برامج وطنية لزيادة إنتاجية الأراضي من خلال تحسين نظم الري بالتنقيط واستخدام الطاقة الشمسية في الزراعة، إلى جانب التعاون مع مراكز بحثية مثل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) لتطوير أصناف جديدة من المحاصيل المقاومة للجفاف والملوحة. كما تشارك مصر في قيادة المبادرة الأفريقية للتكيف ، وتسهم بخبراتها في بناء القدرات الزراعية في دول حوض النيل والساحل الأفريقي، مما يعكس دورها كمركز محوري لتحقيق الأمن الغذائي الإقليمي.

وبالتالي يُمكن القول إنّ مستقبل الأمن الغذائي في أفريقيا بات يرتكز على مدى قدرة القارة على دمج سياسات الزراعة الذكية مناخيًا في خططها الوطنية، وتعزيز التعاون الإقليمي في مجالات التمويل، والبحث العلمي، ونقل التكنولوجيا. ويُعدّ نجاح التجربة المصرية نموذجًا يمكن البناء عليه لتحقيق منظومة غذائية أكثر مرونة واستدامة، بما يضمن توازنًا بين التنمية الزراعية وحماية الموارد البيئية في ظل تحديات المناخ المتسارعة.


[1] https://www.fsinplatform.org/report/global-report-food-crises-2025/?utm_source

[2] https://www.ifrc.org/article/confronting-alarming-food-insecurity-trends-africa-experts-view?utm_source

[3] https://ijoear.com/assets/articles_menuscripts/file/IJOEAR-AUG-2025-13.pdf?utm_source

[4] https://www.wfp.org/global-hunger-crisis?utm_source

[5] https://www.ipcc.ch/report/ar6/wg2/chapter/chapter-9/?utm_source

[6] https://www.nature.com/articles/s41598-025-14560-5?utm_source

[7] https://openknowledge.fao.org/server/api/core/bitstreams/e612e779-ec47-44c2-a3e0-499569c3422d/content

[8] مصدر سبق ذكره

[9] https://www.afdb.org/en/topics-and-sectors/initiatives-partnerships/africa-adaptation-acceleration-program?utm_source

[10] https://www.fao.org/climate-smart-agriculture/en/?utm_source

[11] https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/440241486868444705/kenya-climate-smart-agriculture-project?utm_source

[12] https://www.reuters.com/sustainability/sustainable-finance-reporting/climate-investment-funds-board-backs-500-mln-ethiopia-nature-plan-2024-12-04/?utm_source

[13] https://napglobalnetwork.org/wp-content/uploads/2025/04/ethiopia-stocktake-climate-change-adaptation-last-final.pdf?utm_source

[14] https://www.dailynewsegypt.com/2025/08/31/egypt-targets-egp-144-8bn-investment-in-agriculture-irrigation/?utm_source

[15] file:///C:/Users/hp/Downloads/undp_agribusiness_digital_map.pdf

[16] https://water.fanack.com/egypt-irrigation-modernization/?utm_source

[17] https://www.ecofinagency.com/news-infrastructures/1609-48737-egypt-joins-forces-with-world-bank-on-modern-irrigation-to-address-water-for-agriculture-challenges?utm_source

[18] https://icarda.org/research/country/egypt?utm_source

شارك
مركز القادة
مركز القادة
المقالات: 99

Newsletter Updates

Enter your email address below and subscribe to our newsletter

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *